الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
155
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وخصوصيات الاستعمالات بل وكذا بالنسبة إلى الأوامر الصادرة عمن حصل الاشتهار في كلامه إذا استند الشهرة إلى مجموع الاستعمالات الحاصلة منه إذ لا توقف حينئذ في نفس تلك الاستعمالات التي يتحقق بها الاشتهار حسبما عرفت نعم يثمر ذلك في كلامه لو صدر بعد تحقق الاشتهار المفروض أن يبين تاريخ تلك الغلبة وقد يسري الإشكال في جميع الأخبار المأثورة عنه مع جهالة التاريخ أيضا إلا أن يقال بأصالة تأخر الشهرة إلى إصرار منه مع الظن بورود معظم الأخبار المروية عنه قبل ذلك فيلحق المشكوك بالغالب ويجري التفصيل المذكور أخيرا على الوجه الرابع أيضا ودعوى الشهرة على هذا الوجه غير ظاهرة من عبارة المصنف ولا من الأخبار المأثورة حسبما استند إليها فإن أقصى ما يستظهر في المقام حصول الشهرة في الجملة بملاحظة مجموع الأخبار المأثورة فظهر بما قررناه أن ما ادعاه من الشهرة على فرض صحته لا يتفرع عليه ما ذكره من الإشكال إلا على بعض الوجوه الضعيفة هذا وقد أورد عليه أيضا بأن المجاز الراجح إنما يكون راجحا مع قطع النظر عن الوضع وأما معه فمساواته للحقيقة ممنوعة إلا إذا غلب استعماله إلى المعنى الآخر بحيث اندرج في الحقيقة العرفية وأنى له بإثباته مع أنه لا يدعيه وفيه أن كلام المصنف رحمه الله هنا مبني على التوقف في الحمل عند دوران الأمر بين الحمل على الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح هو مسألة أخرى مقررة في محله فمنعه في المقام غير هادم لما هو بصدده من الكلام على أن ترجيح الحقيقة المرجوحة مطلقا مما لا وجه له حسبما مر تفصيل القول فيه في محله هذا ولنعقب الكلام في المرام برسم مسائل يناسب إيرادها في المقام المسألة الأولى أنهم اختلفوا في دلالة الجمل الخبرية المستعملة في الطلب نحو يتوضأ ويغتسل ويعيد في مقام يراد بها ليتوضأ وليغتسل وليعد على الوجوب لو قلنا بدلالة الأمر عليه فعن جماعة من الأصحاب المنع من دلالتها على ذلك نظرا إلى كونها موضوعة للأخبار وقد تعذر حملها عليه فيتعين استعمالها في الإنشاء مجازا ويصح استعمالها في إنشاء الندب أو مطلق الطلب فإذا تعذرت الحقيقة وتعددت المجازات لزم التوقف بينهما وقضية ذلك ثبوت المعنى المشترك وهو مطلق الرجحان والثابت به هو الاستحباب بعد ضم الأصل إليه فلا يصح الاستناد إليها في إثبات الوجوب إلا بعد قيام قرينة دالة عليه هذا فيما يجري فيه أصل البراءة وأما إذا كان ذلك في مقام جريان أصل الاحتياط فلا بد من البناء فيه على الوجوب والأظهر وفاقا لآخرين دلالتها على الوجوب لاستعمالها إذن في الطلب والطلب كما عرفت ظاهر مع الإطلاق في الوجوب فينصرف إليه إلى أن يتبين خلافه حسبما مر تفصيل القول فيه فالحال فيها كالحال في صيغة الأمر من غير تفاوت أصلا ولذا يتبادر منها الوجوب بعد قيام القرينة على استعمالها في الطلب وعليه يجري الأفهام العرفية كما هو الحال في الصّيغة حسبما مرت ويعضده ملاحظة فهم الأصحاب واستنادهم إلى تلك الجمل في إثبات الوجوب في مقامات شتى وبذلك يظهر ضعف ما ذكر في الاحتجاج المتقدم من تعادل الوجهين ولزوم الرجوع إلى الأصل بعد التوقف بين الأمرين وقد يحتج له أيضا بأن الوجوب أقرب إلى الثبوت الذي هو مدلول الأخبار وإذا تعذرت الحقيقة قدم أقرب المجازات بل ربما يقال بكون دلالتها على الاهتمام بالطلب آكد من دلالة الأمر عليه وفي كلام أهل البيان أن البلغاء يقيمونها مقام الإنشاء ليحمل المخاطب بآكد وجه على أداء مطلوبهم كما إذا قلت لصاحبك الذي لا يريد تكذيبك تأتيني عند التحملة على الالتزام بالإتيان لئلا يوهم تركه له تكذيبك فيما ذكرت حيث أتيت بصورة الأخبار وأنت خبير بأن بلوغ الأقربية في المقام إلى حد يتعين به المجاز المذكور غير ظاهر حتى يجعل مجرد تلك الأقربية باعثة على الانصراف إلى الوجوب والنكتة المذكورة إنما يناسب بعض المقامات العرفية وجريانها في مقام الخطابات الشرعية لا يخلو عن تأمل وإن كان قد يتوهم كونها أنسب بالمقام إلا أن التأمل في تلك المقامات يعطي خلاف ذلك كما يشهد به الذوق السّليم فالأولى جعل الوجه المذكور مؤيّدا في المقام ويكون الاتكال فيه على ما قررناه ويجري الكلام المذكور بعينه في النفي الوارد بمعنى النهي فإنه أيضا كالنهي ينصرف إلى التحريم على الوجه الذي بيناه ثانيها [ في الأمر عقيب الحظر . ] أنهم بعد القول بدلالة الأمر على الوجوب اختلفوا في مفاد الأمر الوارد عقيب الحظر على أقوال أحدها أنه يفيد الوجوب كالوارد في سائر الموارد وحكي القول به عن الشيخ والمحقق والعلامة والشهيد الثاني وجماعة من العامة منهم الرازي والبيضاوي وعزاه في الأحكام إلى المعتزلة ثانيها القول بأنه للإباحة حكاه جماعة عن الأكثر ويستفاد من الأحكام كون المراد بالإباحة في المقام هو رفع الحجر دون الإباحة الخاصة وقد صرح بعض الأفاضل بتفسير الإباحة هنا بمعنى الرخصة في الفعل ثالثها التفصيل بين ما إذا علق النهي بارتفاع علة النهي وما لم يعلق عليه فيقيد الثاني في الأول والأول في الثاني رابعها أنه يفيد رجوع حكمه السابق من وجوب أو ندب أو غيرهما فيكون تابعا لما قبل الحظر حكاه في الوافية وحكاه بعض الأفاضل قولا بعد تقييده بما إذا علق الأمر بزوال علة عروض النهي خامسها أنه للندب حكاه البعض في عداد أقوال المسألة سادسها الوقف حكاه في الأحكام عن إمام الحرمين وغيره حجة القول الأول وجوه أحدها أن الصيغة موضوعة للوجوب فلا بد من حملها عليه حتى يتبين المخرج عنه ومجرد وقوعها عقيب الحظر لا يصلح صارفا لها عن ذلك لجواز الانتقال من الحرمة إلى الوجوب كما يجوز الانتقال إلى الإباحة ولذا لم يتوهم أحد مانعا من التصريح بإيجاب شيء بعد تحريمه وقد ورد الأمر الواقع عقيب الحظر في الشريعة وغيرها على الوجهين كما يظهر من تتبع الاستعمالات ولو استبعد ذلك في المقام لكان من جهة الاستبعاد الانتقال من أحد الضدين إلى الآخر وهو جاز في جميع الأحكام ثانيها أنه لا كلام عند القائل بكونها للوجوب أن ورودها بعد الحظر العقلي لا ينافي حملها على الوجوب ولذا يحمل أوامر العبادات على الوجوب إلى أن يتبين المخرج عنه مع أنها قبل الحظر كانت للحرمة من جهة البدعة فيكون الحال كذلك في الحظر الشرعي ثالثها أنه أمر الحائض والنفساء بالصلاة بعد حظرهما عليهما ولم يحمله أحد إلا على الوجوب وكذا الحال في قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وكذا في قول المولى لعبده اخرج عن المجلس إلى المكتب بل لا يستفاد منها عرفا سيما في المثال الأخير ونحوها سوى الوجوب كالأوامر الابتدائية وضعف الجميع ظاهر أما الأول فلأن كون الأصل حمل الأمر على الوجوب غير نافع بعد ملاحظة العرف في المقام فإن فهم الوجوب منه حينئذ غير ظاهر كما يشهد به ملاحظة كثير من الاستعمالات